ابن خلكان
26
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وحكى المسعودي في كتاب « مروج الذهب » « 1 » عن جماعة من أهل البصرة قالوا : خرجنا نريد الحج ، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي : أيها الناس هل فيكم أحد من أهل البصرة ؟ قال : فعدلنا إليه وقلنا له : ما تريد ؟ قال : إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم ، فملنا معه ، فإذا بشخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يحير جوابا ، فجلسنا حوله ، فأحس بنا فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفا ، وأنشأ يقول « 2 » : يا غريب الدار عن وطنه * مفردا يبكي على شجنه كلما جدّ البكاء به * دبّت الأسقام في بدنه ثم أغمي عليه طويلا ونحن جلوس « 3 » حوله ، إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرد ففتح عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر ، ثم أنشأ الفتى يقول : ولقد زاد الفؤاد شجى * طائر يبكي على فننه شفّه ما شفّني فبكى * كلنا يبكي على سكنه قال : ثم تنفسّ تنفسا فاضت نفسه « 4 » منه ، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه ، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه ، فقال : هذا العباس بن الأحنف ، رحمه اللّه تعالى ؛ واللّه أعلم أي ذلك كان . والحنفي : بفتح الحاء المهملة والنون وبعدها فاء ، هذه النسبة إلى بني حنيفة ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة ، واسم حنيفة أثال - بضم الهمزة وبعدها ثاء مثلثة وبعد الألف لام - وإنما قيل له حنيفة لأنه جرى بينه وبين الأحزن بن عوف العبدي مفاوضة في قصة يطول شرحها فضرب حنيفة الأحزن المذكور بالسيف ، فجذمه فسمي جذيمة ، وضرب
--> ( 1 ) مروج الذهب 4 : 109 . ( 2 ) الديوان : 278 . ( 3 ) ر : ساعة طويلة ونحن حوله . ( 4 ) ص : روحه .